أحمد بن محمد المقري التلمساني
29
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
الدليل أيها القاضي على جواز رؤية اللّه تعالى ؟ قال قوله تعالى لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ فنظر بعض المعتزلة إلى بعض وقالوا : جنّ القاضي ، وذلك أنّ هذه الآية هي معظم ما احتجوا به على مذهبهم ، وهو ساكت ، ثم قال لهم : أتقولون إنّ من لسان العرب قولك « الحائط لا يبصر » قالوا : لا ، قال : أتقولون إنّ من لسان العرب « الحجر لا يأكل » ؟ قالوا : لا ، قال : فلا يصحّ إذا نفي الصفة إلّا عمّا من شأنه صحة إثباتها له ، قالوا : نعم ، قال : فكذلك قوله تعالى لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [ سورة الأنعام ، الآية : 103 ] لولا جواز إدراك الإبصار له لم يصحّ نفيه عنه ، فأذعنوا لما قال ، واستحسنوه . وقال الشيخ أبو البركات : كنت ببجاية ، وقدم علينا رجل من فاس برسم الحجّ يعرف بابن الحدّاد ، فركب الناس في الأخذ عنه والرواية لما يحمله كلّ صعب وذلول ، مع أنه لم تكن منزلته هناك في العلم ، فعجبت لذلك ، حتى قلت لبعض الطلبة : لقد أخذتموه بكلتا اليدين ، ولم أركم مع من هو أعلى قدرا منه كذلك ، فقالوا لي : لأنه قدم علينا ونحن لا نعرفه ، وهو في زي حسن ؛ بخادم يخدمه ، يظنّ من يراه أنّ أباه من أعيان أهل بلده ، فسألناه أحيّ أبوه أم لا ؟ قال : بل حيّ ، قلنا : أهو من أهل العلم ؟ قال : لا ، هو دلال في سوق الخدم ، فلذلك آثرناه على من هو فوقه في العلم ، قال : فقلت لهم : حق له أن ترتفع منزلته ويعلو صيته لتخلّقه وفضله . وفوائد أبي البركات كثيرة . ومن تآليفه « 1 » « المؤتمن ، على أنباء أبناء الزمن » ؛ كتاب مفيد جدا ، وهو رضي اللّه عنه من ذرية العباس بن مرداس السّلمي صاحب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين . قال الشيخ أبو البركات : ذكر لي أنّ الشيخ الفقيه « 2 » الكاتب أبا الحسن بن الجياب يحدّث عني ، ولا أذكر الآن أني قلت ذلك ، ولكنني لما سمعته علمت أنه ممّا من شأني أن أقوله وهو أني قلت : مثل العالم مثل رجل يصبّ ماء في قفة ، إن واظب على صبّ الماء بقيت القفة ملأى ، وإن ترك صبّ الماء بقيت القفة لا شيء فيها من الماء ؛ فكذلك العالم : إن واظب « 3 » على طلب العلم بقي العلم لم ينقص منه شيء ، وإن ترك الطلب ذهب علمه ، انتهى .
--> ( 1 ) في ب « ومن تواليفه » . ( 2 ) في ب « ذكر لي أن الفقيه » . ( 3 ) واظب : داوم واستمر .